الأحد، 12 سبتمبر، 2010

أيلول الأسود

15 كلام الناس

* كتبت هذا المقال منذ حوالي اربع سنوات ، واظنه ما زال صالحا ليومنا هذا


يبدو أنه قد صار قدرًا على شهر سبتمبر أن يقترن اسمه بصفة (الأسود) على مر التاريخ.. لست بصدد الحديث عن الواقعة التي ألصقت به هذه الصفة، وهي الحادثة الشهيرة بين المقاومة الفلسطينية والحسين بن طلال ملك الأردن، ولست بصدد الحديث عن جماعة أيلول الأسود الفلسطينية، والتي كان من أشهر عملياتها عملية خطف أحد عشر رياضيًا إسرائيليًا بمدينة ميونيخ عام 1972، وانتهت العملية بمصرعهم جميعًا.. كلا لست بصدد الحديث عن هذا السواد.. سأتناول أيلولاً آخر أسود على رأس الديمقراطية في عالمنا الحزين..
ماذا يعني لكم تاريخ الحادي عشر من سبتمبر؟ ربما يعني للكثيرين حادث تفجير برجي مركز التجارة العالمي بالولايات المتحدة الأمريكية.. تلك التفجيرات التي أعلن تنظيم القاعدة مسؤوليته عنها، لكن التاريخ ذاته يحمل معنى آخر يثير التأمل.. في ذات التاريخ وباختلاف العام تقع أحداث أيلولنا، وبطل الأحداث هذه المرة سلفادور الليندي الرئيس اليساري المنتخب لجمهورية التشيلي.. كيف أصبح الليندي رئيسًا للبلد؟ وما علاقته بالحادي عشر من سبتمبر؟ دعونا نرجع إلى الوراء قليلاً.. في 22 كانون الثاني/ يناير عام 1970 أعلنت الأحزاب الشيوعي والاشتراكي والراديكال والمابو وبادينا والشعبي المستقل ترشيح (الليندي) لانتخابات الرئاسة، وفي 4 من أيلول/ سبتمبر
يفوز بالأكثرية النسبية، وفي 24 تشرين الأول/ أكتوبر أعلن الكونغرس (النواب والشيوخ) فوز سلفادور الليندي برئاسة البلاد، وفي الثالث من تشرين الثاني تسلم رئاسة الجمهورية الشيلية.. لاحظوا معي أن الليندي قد فاز بالرئاسة في انتخابات نزيهة حصل فيها على الأغلبية النسبية، ووصل للحكم بشكل شرعي يعكس أقصى درجات الديمقراطية، لكن خطيئة الليندي التي لا تغتفر كونه يساري، يجسد أمام أمريكا المد الثوري اليساري الطامح إلى استقلال القارة اللاتينية من استغلال الإمبريالية الأمريكية، وقد أقلقت خطواته بعد ذلك أمريكا أكثر وأكثر، كونه وافق عام 1971 على قانون تأميم النحاس بإجماع الكونجرس، وهو ما يعني – بالنسبة لأمريكا – خطوات اشتراكية مثيرة للفزع الاستعماري، وتصاعدت حدة الفزع حين وقف الليندي في الأمم المتحدة عام 1972 يلقي خطابه الذي يحتج فيه على الاعتداءات الرأسمالية الأمريكية على بلاده، وقوبل خطابه بالوقوف والتصفيق.. كيف يمكن إيقاف خطر الليندي؟ كان الحل – كالعادة – في إثارة المعارضة اليمينية ضده، والعمل في الوقت ذاته على إثارة الاضطرابات في البلاد، والعمل على تدهور الحالة الاقتصادية قدر الإمكان، ثم اختتام ذلك بانقلاب يُطاح فيه بالزعيم اليساري، وهو المخطط الذي نفذته أمريكا بنجاح تام، وفي الحادي عشر من سبتمبر عام 1973 وقفت أمريكا خلف انقلاب الجنرال الدموي أوغستو بينوشيه ضد الرئيس سلفادور الليندي، وقد أدى الانقلاب إلى مصرع الرئيس ومقتل آلاف المواطنين التشيليين والأوروبيين وحتى الأميركيين في "ملعب الموت"، وكان ذلك من أجل تغيير الحكومة اليسارية، ولعل من أصدق الكلمات التي تعبر عن تلك الأيام العصيبة في تاريخ التشيلي، رواية الكاتبة التشيلية (إيزابيل الليندي) (بيت الأرواح) التي تحكي فيها في إطار روائي راقٍ خلاب وقائع وتفاصيل تلك الايام، وكيف تآمرت أمريكا مع اليمين لإسقاط الرئيس الوطني المنتخب، وسجل التاريخ انتهاكًا حادًا وقاتلاً للديمقراطية بتدبير أمريكا حامية الديمقراطية في العالم..

ويصر التاريخ على تذكيرنا بالديمقراطية الشهيدة في التشيلي، حين يتم تفجير برجي مركز التجارة العالمي في ذات التاريخ باختلاف العام.. الحادي عشر من سبتمبر 2001م.. أيلول أسود آخر على رؤوس الشعوب المقهورة في العالم، وجورج بوش الابن يعلن بعد تلك النفجيرات أنه سيعلنها حربًا على الإرهاب، ويستعير آية من الإنجيل يبرر بها موقفه تجاه العالم، حين قال: " من ليس معي فهو ضدي " (إنجيل متى، الإصحاح 12 الآية 30)، والحق أنها كلمة حق أريد بها باطل، أطلقها بوش فقط ليبرر حرب بلاده على الديمقراطية، أو – على الأقل – حربه لوأد الديمقراطية التي قد تفكر في الخروج من مهدها، وقد سار بوش حرفيًا على النهج الذي اختاره، وبدأ يمارس – على المكشوف – درو بلاده كشرطي (أمين) يسهر على رعاية العالم الطفل، الذي لا يعرف كيف يحمي نفسه من افتراس (الديكتاتورية) له، وتعالوا نستعرض معًا بعض ما فعلته أمريكا منذ الحادي عشر من سبتمبر " لحماية " الديمقراطية في العالم..
أكتوبر/ تشرين الأول 2001 بدء العمليات العسكرية ضد أفغانستان، كرد فعل على هجمات 11 سبتمبر/ أيلول، وفي مارس/ آذار - أبريل/ نيسان 2003 شن حرب على العراق من طرف تحالف أمريكي بريطاني مات خلالها آلاف الضحايا أغلبهم مدنيون، ولا ننسى بالطبع الرعاية الأمريكية المستمرة لإسرائيل، وموقفها – أي أمريكا - الساعي بشدة لتعطيل إصدار قرار من مجلس الأمن بوقف إطلاق النار خلال الحرب الإسرائيلية البشعة على لبنان في يوليو المنقضي، ولم يصدر القرار بالفعل إلا حين تألمت إسرائيل من صمود حزب الله، الذي لم يسلم هو الآخر من اتهام أمريكا له بممارسة الإرهاب، ولا ننسى - كذلك – وصفها لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) – على البيعة – بالحركة الإرهابية، وما زالت الجرائم الأمريكية تتوالى؛ لتثبت أنها تستحق – عن جدارة – لقب (ذابحة الديمقراطية في العالم).

عني

صورتي
بوبو
"رَبّ إني لما أنزلتَ إليَّ من خيرٍ فقير "
عرض الملف الشخصي الكامل الخاص بي